القاضي عبد الجبار الهمذاني
209
تثبيت دلائل النبوة
تكون في عبادتهم في كل عصر لا تنقطع ، تدعي ذلك الملكية لعبادها ، كما يدعيه باقي طوائفهم ، ويدّعون المشاهدة في كل زمان وأوان ، مع إكفار بعضهم لبعض . وليس فيهم أحد رأى شيئا من ذلك ، وليس إلا الدعاوى التي تقدم ذكرها والذكران والأعياد ، فيلحدون ويظنون بما يدّعى لموسى وهارون وعيسى عليهم السلام بمثل ما يدّعى للرهبان . ومما يؤثر ان النصارى جلسوا في ذكران جورجس ، وما جرى عليه من القتل مرة بعد مرة وهو يعود ويقوم من قبره إلى الصومعة . فيقول قائل منهم : لو صدقنا أنفسنا لعلمنا ان هذا كذاب لا أصل له ، المسيح صاحب جورجس ذاق مرّ الحديد مرة واحدة فما عاد ولا تعرض لمثلها ، فكيف بتعرض لها جورجس وهو دونه في الصبر والبصيرة ، فأضحكهم . وأكثر ما عند أهل البصائر منهم ان يقولوا : سبيلنا ان نسلم للرؤساء ونقنع في الدين بالتقليد ولا نطلب فيه البرهان ، فليس امر الشريعة والبيعة من امر الطبيعة في شيء . وهذا شيء ألقاه لهم هؤلاء الرؤساء الذين يستأكلونهم ويسخرون منهم ، وأكثرهم ملحدة كما قدمنا . وهم يريدون بالطبيعة ما يقوله أرسطاطاليس وأمثالهم من الملحدة : في أن الشمس والقمر وسائر أجساد السماء لا يجوز ان تتصدع ولا تتفرق ، ولا أن تكون حارة ولا باردة ولا رطبة ولا يابسة ولا حلوة ولا حامضة / ولا ثقيلة ولا خفيفة ، وما أشبه ذلك من جهالاتهم التي تزيد على جهالات النصارى أضعافا مضاعفة . ويدعون انهم قالوا ذلك ببرهان . وان الربوبية والنبوات والشرائع لا يقوم عليها برهان فخاصة النصارى ورؤساؤهم أجهل من عامتهم بطبقات . والقبط تبغض بني إسرائيل لما جرى عليهم وعلى فرعون من موسى .